أكسجين غزة ينفد.. مرضى يتنفسون على حافة الموت

أكسجين غزة ينفد.. مرضى يتنفسون على حافة الموت
القدس واللاجئين

غزة/ سماح المبحوح:
يوماً بعد آخر، تضيق مساحة النجاة أمام مئات المرضى في قطاع غزة، وبينهم أطفال يعتمدون على الأكسجين للبقاء على قيد الحياة، مع استمرار تعطل محطات توليده وتعبئته نتيجة نقص المعدات وقطع الغيار اللازمة للصيانة، في ظل القيود الإسرائيلية على إدخالها إلى القطاع. ولا يتعلق الأمر هذه المرة بنقص دواء يمكن تعويضه، بل بشريان حياة لا يستطيع المرضى الاستغناء عنه. فقد حذرت وزارة الصحة من تداعيات خطيرة جراء خروج معظم محطات توليد الأكسجين عن الخدمة، مؤكدة أن نقص الإمدادات وقطع الغيار يهدد حياة عشرات المرضى، ولا سيما الموجودين في أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال.

في خيمة قماشية أنهكتها حرارة الشمس، يخوض أبناء أبو محمد معركة يومية لا تتوقف، عنوانها تأمين أسطوانة أكسجين تكفي والدهم لمواصلة التنفس. فوالدهم، الذي يعاني تليفاً حاداً في الرئتين انعكس على عمل القلب، يعتمد بصورة كاملة على الأكسجين على مدار الساعة. ومع تراجع مستوى تشبع الأكسجين في دمه إلى نحو 70%، مقارنة بالمعدل الطبيعي الذي يكون عادةً في حدود 95% إلى 100% لدى معظم الأشخاص، بات أي انقطاع في إمداده تهديداً مباشراً لحياته.
وتزداد المخاوف مع تعطل عدد من محطات تعبئة الأكسجين، فيما تواجه المحطات المتبقية خطر التوقف بسبب صعوبة توفير قطع الغيار والمستلزمات اللازمة لتشغيلها وصيانتها.
داخل الخيمة، تبدو آثار هذه الأزمة على تفاصيل الحياة اليومية. أبناؤه لا ينتظرون وصول الأكسجين إليهم، بل يقطعون مسافات طويلة بحثاً عن محطة لا تزال قادرة على تعبئة الأسطوانة، ويحرصون على إبقاء أسطوانة احتياطية جاهزة تحسباً لأي طارئ.
ويقول ابنه محمد: «يعتمد والدي كلياً على الأكسجين على مدار 24 ساعة لضمان بقائه على قيد الحياة، في ظل وضعه الصحي الصعب».
ولا يتوقف الخطر عند احتمال نفاد الأسطوانة، إذ يفاقم النزوح ظروفه الصحية. ويضيف محمد: «تتضاعف معاناة والدي بسبب ظروف النزوح والعيش داخل خيمة ترتفع فيها درجات الحرارة بشكل شديد، ما يصعّب عليه التنفس ويؤدي إلى انخفاض نسبة الأكسجين في دمه إلى مستويات خطيرة، تصل أحياناً إلى حد ازرقاق أطرافه وشفتيه». وبين أسطوانة يجب ألا تفرغ ومحطة قد تتوقف في أي لحظة، يعيش أبو محمد وأسرته يومهم على إيقاع الخوف من انقطاع النفس، فيما تتحول رحلة البحث عن الأكسجين إلى معركة متكررة لا يملكون ترف تأجيلها.
مخاطر وشيكة
حذر مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة في غزة م. زاهر الوحيدي، من مخاطر صحية وشيكة تهدد بتوقف شريان الحياة عن الأقسام الحيوية والمنقذة لحياة المرضى في المستشفيات والمنازل، بسبب تفاقم أزمة تعطل محطات توليد الأكسجين وتوقف معظمها عن العمل، جراء استمرار منع إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة للصيانة.
وأوضح الوحيدي في حديثه لـ "الاستقلال أن الأزمة تسببت في تهديد مباشر لأبرز الأقسام الحيوية، حيث تواجه 91 غرفة عناية مركزة خطر التوقف وشلل الخدمات، بينهم 19 وحدة عناية للأطفال تعاني من تراجع قدرتها على تقديم الرعاية التنفسية للحالات الحادة والمزمنة، إضافة إلى 54 وحدة للأطفال يتهدد الخطر حياة حديثي الولادة داخل حضاناتها، إلى جانب أكثر من 65 غرفة عمليات، وأكثر من 500 مريض يعانون من الأورام والتليف الرئوي والجلطات الرئوية، يعتمدون بشكل كامل على الأوكسجين. وبين أن الطاقة التشغيلية لما تبقى من محطات توليد الأكسجين قد استنزفت بالكامل، إذ تعمل حاليا فوق طاقتها القصوى وسط تفاقم الأعطال الميكانيكية والفنية المتكررة، مشددًا على أن الأكسجين يمثل شريان الحياة الأساسي، والمحطات العاملة معرضة للتوقف بأي لحظة فهي بحاجة لقطع وصيانة دورية وبحاجة ادخال محطات جديدة بدلا من التي تم تدميرها.
وأشار إلى أن 12 محطة أكسجين فقط من أصل 34 محطة هي التي تعمل حاليا في ظروف فنية غاية في التعقيد، مما يجعل من الصعب جدا تلبية الاحتياجات المتزايدة للمرافق الصحية ومقدمي الخدمات الطبية، لافتا إلى أن الاحتلال عمل على تدمير 22 محطة خلال اقتحامه المستشفيات.
ولفت إلى أن الأزمة امتدت لتشمل أيضا عملية التعبئة، إذ لا يتوفر سوى 4 أجهزة لتعبئة أسطوانات الأكسجين من أصل 30 جهازاً للمستشفيات الأهلية والميدانية وللمرضى، مشيرا إلى أنها عرضة للتوقف في أي لحظة أمام عجز الفرق الهندسية عن إتمام تدخلات الصيانة الطارئة نتيجة نقص الإمكانيات والمعدات.
وأكد أن محطات تعبئة الأوكسجين تعاني من ضغط شديد، ففي مدينة غزة تعمل محطة تعبئة أوكسجين واحدة لأكثر من 7مستشفيات أهلية وميدانية.
وناشد مدير مركز المعلومات المؤسسات الشريكة والمنظمات المعنية بالقطاع الصحي، للاستجابة لهم بالضغط على الاحتلال لتوفير محطات أوكسجين جديدة وإدخال الزيوت وقطع الغيار ومواد الصيانة اللازمة للمولدات والمركبات الطبية لمنع حدوث كارثة صحية.
تحذير آخر
كما حذّرت جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، من توقف خدمات ومرافق صحية في قطاع غزة، بسبب النقص الحاد في الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات والمركبات الطبية.
وقالت جمعية الإغاثة الطبية، وهي مؤسسة غير حكومية، إن "نقص الزيوت وقطع الغيار الخاصة بالمولدات الكهربائية يهدد بتوقفها عن العمل، ما قد يؤدي إلى تعطل الخدمات الصحية وتشغيل الأجهزة والمعدات الطبية في عدد من المراكز والعيادات.
وأضافت أن نقص زيوت المركبات وقطع الغيار يهدد كذلك بتوقف العيادات الطبية المتنقلة، ما قد يحد من وصول الخدمات الصحية إلى النازحين والفلسطينيين في المناطق التي يصعب عليهم الوصول منها إلى المرافق الصحية.
وكانت منظمة "أطباء بلا حدود" أعلنت، في 12 آب/ أغسطس الجاري، أن القوات الإسرائيلية تواصل تقييد إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات المستشفيات وسيارات الإسعاف ومرافق حيوية أخرى، محذرة من أن ذلك يعرض حياة آلاف الأشخاص للخطر.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، الجمعة، إن معبر كرم أبو سالم لا يزال المعبر الوحيد العامل لإدخال البضائع إلى قطاع غزة، فيما تستمر القيود على إدخال عدد من المعدات والإمدادات الضرورية.
كما أظهرت أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، المنشورة في 11 آب/ أغسطس الجاري والمستندة إلى معلومات حتى 31 تموز/ يوليو الماضي، استمرار فجوات كبيرة في توافر الموارد والخدمات الصحية في مرافق القطاع.

التعليقات : 0

إضافة تعليق